-خاطرة-
لماذا يذبل الكتاب؟
قد يتحدث الكاتِبُ عن كل شيء ولكن من النادر جدا أن يتحدث عن نفسه،لدرجة الشك بوجود اعتقادٍ لديهم بأن ثمة حاجز يحول بينهم وبين ذلك،ولعلي قد أكسر هذا الحاجز الوهمي بحديثي عنهم،متطفلًا بذلك عليهم وإن لم أكن منهم؛)
ولكن قبل ذلك سأتحدث بشكلٍ موجز عن الكتابة ومدى تأثيرها ..
لا يوجد سلاح أكثر تأثيرًا من القلم إذا أستُخدِم بالشكل الصحيح،فمنه نُشر الوحي وخطت المخطوطات ونقلت العلوم والآثار وصيغت الايدولوجيات،القلم هو الأداة الرئيسية لصنع غذاء العقل،القلم هو الإلهام الذي لا يموت بموت صاحبه،ولك أن تتخيل بأن كتابة عجوز إغريقي ماقبل الميلاد قد تغير حياة مراهق قروي في القرن الواحد والعشرين !
فكيف بمن يسعى لإتقان استخدام هذه الأداة العظيمة؟ماهي الصعوبات التي تواجهه؟من يكون وماهو تأثيره المحتمل؟
يقف الكاتب أمام حواجز كثيرة،فما بين كبرياء الإلهام المُتطلب الذي يهجره حال هجرانه للقراءة النهمة،ومابين قلة التقدير لما يكتب،إذ أن حاجة المكتوب للتقدير كحاجة القلم للحبر ؛)
يعاني الكاتب كثيرًا،قلي بربك كيف للورد أن يحيا بجفاف؟وكيف للشموع أن تنير درب أحدهم في عصر الكهرباء؟ فحتى الورد قد امتاز عنهم بجماله وتمتاز الشموع عنهم بوجودها عند الحاجة؛)أو دعك من تلك التشبيهات المُنمَقة،كيف للطيور أن تغرد بسعاده وهي أسيرة اقفاصها؟
فلا طاقة للكاتب بالعبث مع جاذبية تيار السلطة الغالبة، تلك السلطة التي لاتفرق بين قلم وآخر مهما كانت بقعته الجغرافية،وقطعًا لن يخاطر بارتفاعه عنها لكي لا يكون سقوطه-كمن سبقه- عبرة للآخرين
ناهيك عن مقاومته الدائمة لتيار مجتمعات تكثر التغني بتنوعها الفكري،وقد أنستهم سرعة الحياة وجودهم في قوالب معدة مسبقا،متغيرة مع كل تغيير ""لأصحاب المصانع""
وبالطبع لن نغفل عن تندر وسخرية اقرب المقربين له لكثرة حديثه عن رغبته بالتغيير بمجرد قلمه،متناسين أنه لولا وجود هذه النعمة وبتسخيرها الصحيح لما عرفنا حتى آداب الطعام! فكيف نتهاون بقوة هذا السلاح فيروسيّ الإنتشار؟
ولذلك طال الزمن أو قصر سيقيد هذا القلم نفسه رغمًا عن صاحبه ليخلف لهذا الكوكب نسخة تقليدية أخرى من غير أن يشعر،ليبقى في صراع دائم بين الرغبة في ارضاء المُتلقي ومايترتب على ذلك من أمور،ومابين ارضاء ضميره،متناسيًا بأن الفكرة عزيزة نفس تأبى التعامل مع القلم المأجور،وتهرع بكل حب للقلم المهجور ؛)
وبعد كل هذه الصعوبات ستجد من يترك كل ماكتبت ليهرع مسرعًا بفرح شديد،لتعديل خطىء نحويً أو غلطٍ املائي بسيط،لينال بذلك انتصارًا معنويًا يشبعه لبقية الأسبوع،ليكمل حياته متباهيًا بغروره المعرفي المزعوم ..
مهلا! أليست الجدران أولى بهذا الحديث؟فالحديث على أمل انصاتها يوما خير من التوسل للفت انتباه إنسان في عصر التشتت وانتشار متلازمة العقل القردي ؛) ..
لا بأس لن يبالي القلم بذلك وسيكمل مسيرته للمجهول،سيبقى كئيبًا يحادث نفسه بكثرة،يغازل أفكاره لدرجة الهوس ..
وسيبقى قلمه وفيًا،يبني وحيدًا بين ملايين معاول الهدم،مالم تنبذه المعاول ؛)
وكأن لسان حال القلم يقول:
عملي لكاتب مهجور،خير من ألف كاتبٍ مأجور..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق